الوصف
شهادة على ميلاد وثيقة الأخوة الإنسانية
لم يدر بذهني يوما أن أكتب شهادتي على أمر ما، مما عايشته في العشرية السابقة، على كثرة ما فيها من أحداث؛ شاء القدر أن أكون شاهدا عليها، وفاعلا فيها بشكل أو بآخر؛ وذلك لسبب بسيط غاية البساطة؛ وهو أنني لست بزعيم سياسي يكشف ما في دهاليز السياسة ومخبئاتها، وإنما قصارى ما أريده أن أسجل ما رأيتُ وما سَمِعتُ.
فكرت مليا في إمكانية نشر شهادتي عن وثيقة الأخوة، بعد أن ظهرت للعَلَنِ ، وتقبلها العالم بقبول حَسَنٍ، فَاقَ كلَ التَصوراتِ والتوقعات، وشعرتُ بعدها أن العالم أصبح قريتي، والبشرية أسرتي، ومن ثمَ أصبح واجبًا على محتما أن أنقل للنَاسِ ما جرى، مع إدراكي بعسر المبتغى، وصعوبة المأمول، وخَلْصتُ بأنَه ليسَ حَسَنًا – بل معينا – أن يحجز كل شاهد قلمه عن تسجيل ما رأى وسمع في الأيام التي عاش أحداثها بفكره ووعيه وتجربته في قلب الأحداث فنشِطتُ في تسجيل ما وَعَتَهُ الذاكرة، وانطبع على لوح حافظتها، وبالرغم من أنني لستُ من الكتاب البارعين، ولا من المتضلعين في فنون الأدب والبيان؛ إلا أن القلم – بفضل الله – تسخَرَت له الألفاظ، فعبر عن المعاني بصورة هي دون ما كنتُ أمل بالتأكيد، ولكن ما كل ما يتمناه المرء يدركه، فحسبي أنني سجلت خواطري في هذه الشهادة، أقول: الشهادة وأنا أعي كرجل قضاء وعدالة ما أقول؛ فالشاهد يجب أن يكون الميزان الذي لا يميل إلاَ للحق؛ فلا يجذبه هوى، ولا تميله رغبة أو رهبة، من هنا أو من هناك، وعلى هذا السَنَنِ أَحسَبُ أنَني أفضَيتُ
بما يختلج في نفسي مما طواه لساني عن الأسماع مدة، وكل شيء بميعاد؛ لأنني مؤمن بأنَ الصَمت أسلم لي، وأنفع للقارئ من زائف القولِ وزُوره، وبلاغة الصدق تُغني عن كل تزويق وتنميق؛ فليعلم المطالع لهذه الشهادة أنها تاريخ محدود لفترة زمنيا محدودة تركت صداها العميق في نفسي؛ فأحببت أن أخلدها في سفر لطيف، يبقى ذكره في الأعقاب، وقد راعيت فيها منطق العصر؛ وهو الاختصار والتركيز؛ لأننا في زمن السرعة، والقارئ المعاصر لم يعد يصبر على قراءة الأسفار ذوات العدد، في خضم زحمة الحياة وصخبها وعنائها. وغايتي من تدوين هذه الشهادة هي أن أبسط ما خطر ببالي من الخواطر، فربما في ما يستقبل من الأيام على توسيع مجال النظر فيها، بمزيد بيان وتفصيل، وأبين دلالة وإرشاد.ساعدت ومع ذلك فإنَني أعتز بهذه الشهادة مهما شابها من قصور ؛ لأنها تعبير مباشر، تركت فيه مشاعري المصرية والعربية والإسلامية والإنسانية تنبضُ في ثنايا هذه الشهادة؛ ذلك أنها تسكن في أعماق وجداني وضميري، فما كان منها صالحًا فالشكر والحمد لله على ما أنعم، وما كان غير ذلك فأسأل الله أن يغفر ويتجاوز. ووجدتني بعد أن انتهيت من تسطير هذه الشهادة في مؤلَف مخُتَصرَ ، أعود إليها من حيث لا أدري؛ إذ كانت المراجعة النهائية مطلبًا صعبًا، عانيت فيه صَعَدًا، وأزعُمُ أَنَ مَهَمَّةَ التهذيب والتعليق أصعب من مَهَمَّةِ التَأليف والإنشاء ، وهي تتطلب صبرًا وأناةً وجَلَدًا، وأعتقد أنَ من يميزات زمان جائحة «كورونا» التي ابتلينا بها في هذه الشهور : هذا التَباعدُ الجَسَدِيُ المؤقَتُ ، والبقاء في البيوت، الذي ساعدني شخصبا على التفرغ الهذه المهمة، متمثلا قول عمر بن عبد العزيز'-'-'-صبحتُ وما لي سُرورٌ إِلاَ في مواضع القضاء والقَدَرِ؛ وإن تكن الشراء فعندي الشكر، وإن تكن الضراء فعندي الصبر»، وكان الصبر والاحتساب سببًا لما أنعم به وعائلتي من السكينة والرضا واليقين، بل من القُوَةِ والسعادة والتوفيق أيضا.





المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.