Description
لم يَعُدْ أيٌّ من الشرق والغرب اليوم بمعزلٍ عن الآخر، كما كان الحال في القرن الماضي، ولم يَعُدِ الشرق هو هذا المجهول المخيف، الذي تترامى أطرافه فيما وراء البحار كما كان يتصوره الغربيون من قبل، كما لم يَعُدِ الغرب هو النموذج الغريب المنعزل الذي يستطيع الشرقيون من مسلمين ومسيحيين أن يتجنبوه، ويغلقوا أبوابهم دونه، ليستريحوا من خيره وشره.. لم يَعُدِ الأمر كذلك بعدما تقارب ما بينهما، وانطوت المسافات بين ضفتي المتوسط، وتلاشت الحواجز، وهاجر المسلمون واستوطنوا الغرب، ولم يَعُدْ لهم من وطنٍ غيره، كما هاجرت فلسفات الغرب السياسية والاجتماعية وأنماط حياته اليومية واستوطنت عقول المسلمين، فأثرت في رؤاهم وأنظارهم، وسيطرت على مساحةٍ -لا يُستهان بها- في مناهج تفكيرهم وطرائق سلوكهم وتصرفاتهم، ولا تزال المذاهب الاجتماعية الغربية كالليبرالية، والقومية، واليسارية تعمل عملها في أذهان كثيرٍ من المفكرين والسياسيين الشرقيين، ربما بأقوى مما تعمل في أذهان أهلها من الغربيين، بعد أن بدأت هذه المذاهب تتراجع في الذهنية الغربية بتأثير العولمة، التي تبشر العالم -بل تسوقه سوقًا- بنظرية النواة والمركز والأطراف التي لا تسمح بتقسيم العالم إلى شرقٍ وغربٍ، يتميز كلٌّ منهما عن الآخر بثقافته، وحضارته، وأكاد أقول: بدينه ولغته.
وفيما أعتقد؛ فإن هذه العولمة لا يمكن أن تكون حلًّا لعلاقات التوتر والتربص المتبادلة بين الشرق والغرب، أو تشكل خطوة على طريق التقائهما وتعاونهما من أجل تحقيق السلام العالمي، وتوفير السعادة للإنسانية جمعاء.. بل هي بكل تأكيدٍ مرحلةٌ جديدةٌ على طريق الصراع العالمي، بما تخبئه في جرابها من تدميرٍ لهويات الشعوب وخصائصها التي خلقها الله عليها، والتي لا يمكن لأي شعبٍ منها أن يفرط فيها قبل أن يفرط في حياته وكل ممتلكاته. ولا مفر من التفكير في «العالمية» بدلًا من «العولمة»، وهذه العالمية التي عبر عنها شيوخ الأزهر -في القرن الماضي بعد الحربين العالميتين- بالزمالة العالمية أو التعارف، كحلٍّ لانقسام العالم وتكريس الثنائيات الحادة التي تنهج الصراع وتشعل الحروب.
أصل الكلمة محاضرة ألقيت في المؤتمر الثاني للقاء الشرق والغرب في باريس، في: 18 من شعبان سنة 1437هـ، الموافق 25 من مايو سنة 2016م.






Reviews
There are no reviews yet.